أبو علي سينا
134
رسائل ( ط بيدار )
سوم الاعتدال فإنك إن متنت لهم سخرتهم ولم يسخروك ، وركبتهم ولم يركبوك ومن توافق حيلك فيهم أن تتسلط بهذا الشكس الزعر على هذا الأرعن النهم تزبره زبرا فتكسره كسرا وأن تستدرج غلواء هذا التائه العسر بخلابة هذا الأرعن الملق فتخفضه خفضا ، وأما هذا المموه « 1 » المتحرص فلا تحتج إليه أو يأتيك موثقا من اللّه غليظا فهنالك صدقه تصديقا ولا تحجم عن إصاخة إليه لما ينهيه إليك وإن خلط فإنك لن تعدم من أنبائه ما هو جدير باستثباته وتحققه به ، فلما وصف لي هؤلاء الرفقة وجدت قبولى مبادرا إلى تصديق ما قرفهم به فلما استأنفت في امتحانهم طريقة المعتبر صحح المختبر منهم الخبر عنهم ، وأنا في مزاولتهم ومقاساتهم فتارة لي اليد عليها وتارة لها على واللّه تعالى المستعان على حسن مجاورته هذه الرفقة إلى حين الفرقة - ثم إني استهديت « 2 » هذا الشيخ سبيل السياحة استهداء حريص عليها مشوق إليها فقال إنك ومن هو بسبيلك من مثل سياحتى لمصدود وسبيله عليك وعليه لمسدود « 3 » أو يسعدك التفرد وله موعد مضروب لن تسبقه فاقنع بسياحة مدخولة بإقامة تسيح حينا وتخالط هؤلاء حينا فمتى تجردت للسياحة بكنه نشاطك وافقتك وقطعتهم وإذا حننت نحوهم انقلبت إليهم وقطعتني حتى يأتي لك أن تتولى براءتك منهم ، فرجع بنا الحديث إلى مساءلته عن إقليم إقليم مما أحاط بعلمه ووقف عليه خبره فقال لي إن حدود الأرض ثلاثة - حد يحده الخافقان « 4 » وقد أدرك كنهه وترامت به الأخبار الجلية المتواترة والغريبة يجل ما يحتوى عليه وحدان « 5 » غريبان - حد المغرب وحد قبل المشرق ولكل واحد منهما صقع قد ضرب بينهما وبين عالم البشر حد محجور لن يعدوه « 6 » إلا
--> ( 1 ) أشار به إلى الطريق الذي يجب أن يسلك في تدبير القوة المتخلية للوصول إلى السلامة وذلك كأن لا يثق بها كل الثقة ، ويميز صدقها من كذبها ، وباطلها من حقها . ( 2 ) استهديت ، أي لما وجدت العقل على هذا الكمال ، وأنه منبع العلوم والمعارف ، حرصت على سلوك سبيله ، واقتباس العلم منه ، ففزعت إليه ليهدينى السبيل السوى . ( 3 ) أراد استحالة التعقل الخالص من شوب التخيل والحس ، ولا يزال هذا دأبه وديدنه إلى أن يدركه الموت . وتفارق النفس البدن . ( 4 ) « حد يحده الخافقان » هو عالم المركبات المحسوسة في عالمي الأرض والسماء ، وهي التي يحيط بها الخافقان . ( 5 ) وحدان الحدان هما الهيولى والصورة . فالتي وراء المغرب الهيولى ، والتي من قبل المشرق الصورة . ( 6 ) أي لكل من الهيولى والصورة كنه وحقيقة قد ضرب بينهما وبين عالم البشر بسور .